محمد سعيد رمضان البوطي

101

فقه السيرة ( البوطي )

وسلواه ، وينفض بمساعدتها عن كاهله كثيرا من أحاسيس الشدائد والآلام ؟ . تبرز هنا ظاهرة هامة تتعلق بأساس العقيدة الإسلامية . فلو أن أبا طالب بقي إلى جانب ابن أخيه يكلؤه ويحميه إلى أن تقوم الدولة الإسلامية في المدينة وريثما ينجو الرسول من أذى المشركين وقبضتهم ، لكان في ذلك ما قد يوهم أن أبا طالب كان من وراء هذه الدعوة ، وأنه هو الذي كان يدفعها إلى الأمام ويحميها بمكانته وسلطانه بين قومه ، وإن لم يظهر الإيمان بها والانضواء تحت لوائها ولجاء من يطيل ويطنب في بيان الحظ الحسن الذي تهيأ للرسول صلى اللّه عليه وسلم أثناء قيامه في الدعوة ، بسبب حماية عمه له ، بينما لم يتهيأ هذا الحظ لغيره من المسلمين من حوله ، فأوذوا وهو محفوظ الجانب ، وتعذبوا وهو مستريح البال . لقد قضت حكمة اللّه تعالى أن يفقد الرسول عمه أبا طالب وزوجته خديجة بنت خويلد ، ويفقد من حوله من كان في الظاهر حاميا له ومؤنسا ، حتى تتجلّى حقيقتان هامتان : أولاهما : أن الحماية والعناصر والنصر ، إنما يأتي كل ذلك من اللّه عز وجل . ولقد تعهد اللّه أن يعصم رسوله من المشركين والأعداء ، فسواء كان ثمة من يحميه من الناس أو لم يكن ، فهو معصوم من الناس وستبلغ دعوته منتهاها من النصر والتوفيق . ثانيتهما : ليس معنى العصمة من الناس أن لا يرى منهم إيذاآ أو عذابا أو اضطهادا ، وإنما معنى العصمة التي تعهد بها اللّه عز وجل بقوله : وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [ المائدة : 67 ] العصمة من القتل ومن أي صد أو عدوان من شأنه إيقاف الدعوة الإسلامية ، فقد قضت حكمة اللّه تعالى أن يذوق الأنبياء من ذلك قدرا غير يسير ، وذلك لا ينافي العصمة التي وعد بها أنبياءه ورسله . ولذلك يقول اللّه عز وجل لنبيّه بعد قوله : فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ( 94 ) إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ( 95 ) [ الحجر : 94 و 95 ] . يقول له : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ ( 97 ) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ( 98 ) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ( 99 ) [ الحجر : 97 - 99 ] . ومن الحكم الجليلة لما قضت به سنة اللّه عز وجل ، من أن يلاقي الرسول ما لاقى من المحنة في طريق الدعوة ، أن يستسهلها ويستخف بها عامة المسلمين في كل عصر ممن أنيطت بهم مسؤولية الدعوة الإسلامية ، فلو أن النبي صلى اللّه عليه وسلم نجح في دعوته بدون أي